محمد أبو زهرة
2100
زهرة التفاسير
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ الفاء هنا فاء الإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ، والمعنى إذا كنتم كما زعمتم أحباء الله تعالى وأبناءه فلم يعذبكم إن ارتكبتم ذنوبا تؤثمكم ؟ فأنتم كسائر الناس تذنبون ، ولو كنتم متصلين بالله أكثر من غيركم ما أذنبتم ، ولو أذنبتم ما عذبتم ، وفي كتبكم التي بأيديكم أنكم تعذبون على ما تقترفون من آثام . وقد أقر اليهود بأن العذاب سيقع بهم ، إذ قال الله تعالى عنهم : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً . . . ( 80 ) [ البقرة ] وإن النصارى يقرون بأنه سيدين الناس يوم القيامة ، ويجازى المحسن على ما أحسن ، والمسىء على ما أساء . وقد رد الله سبحانه أصل الادعاء بقوله تعالى : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي أن صلة الله تعالى بكم هي صلته بخلقه ، وأنتم بعض منهم ، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ، فهو يغفر لمن يشاء ، واقتضت حكمته الغفران له لتوبته ولصغر ما ارتكب ، ووازن حسناته بسيئاته ، وأن الحسنات يذهبن السيئات ، ويعذب من يشاء بمقتضى حكمته ؛ لأن الخطيئة أحاطت به ، ولم يقلع عما ارتكب وأساء ، والله عليم حكيم ، وغفور رحيم . وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ هذه الجملة من تتمه الرد عليهم ، ويحتمل أن تكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر أن يقوله ، ويحتمل أنها من كلام الله تعالى تأكيدا لحكمته تعالى وكمال سلطانه ، وقد تأكد الرد بقوله تعالى : وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي أنه سبحانه وحده هو الذي تصير إليه أمورهم يوم القيامة ، وهو الذي يعلن حينئذ محبته لمن استحق محبته بالطاعة والتقوى ، ويكون مآله إلى الجنة والنعيم المقيم ، ولن تكون للذين غيروا وبدلوا في دينه وأشركوا به - تلك المحبة التي ادعوها ، ولا ذلك النعيم الذي وعد به ، وسيكون العذاب لمن عصى أمر ربه ، وغالى في تقديس عباد الله تعالى وأشرك به ، والله هو الذي يتولى الفريقين بعدله وحكمته .